لم تكن تلة علي الطاهر مجرد موقع عسكري آخر في الحرب. فقد اكتسبت، قبل سقوطها، قيمة استثنائية في الخطاب السياسي والعسكري المحيط بحزب الله، حتى وصل صداها إلى إيران، باعتبارها موقعًا مرتفعًا ومحصّنًا وامتدادًا لمنظومة دفاعية أوسع. لذلك، كان من الطبيعي أن يُنظر إلى سقوطها بوصفه اختبارًا لقدرة الحزب على الدفاع عن إحدى النقاط التي أولَاها أهمية كبيرة.
مؤيدو الحزب يقدمون رواية مختلفة: خسارة التلة لا تعني خسارة المنظومة، والانسحاب من موقع تحت ضغط التفوق الناري لا يعني بالضرورة هزيمة القوة التي كانت موجودة فيه. أما خصومه، فيرون أن هذه محاولة لتقليل شأن خسارة موقع جرى تقديمه سابقًا باعتباره بالغ الأهمية، وأن النتيجة العملية تبقى أن إسرائيل باتت تملك موقعًا استراتيجيًا جديدًا في الجنوب.
لكن الأهم من السؤال عن معركة التلة هو فهم كيفية إدارتها. فالحزب، وفق ما ظهر، لم يحوّل الدفاع عنها إلى معركة استنزاف مفتوحة، ولم يندفع إلى مواجهة كبرى لاستعادتها بعدما أصبحت الكلفة أعلى بكثير. ومنطق هذا السلوك واضح: عندما يصبح الدفاع عن موقع ما سببًا محتملًا لخسارة قوة أكبر، تصبح المحافظة على القوة أهم من الحفاظ على الموقع.
هذا المنطق يعيدنا حكمًا إلى مفارقة أساسية تتجاوز علي الطاهر نفسها: لماذا لم يكن حاضرًا في تشرين الأول 2023؟
من حيث المبدأ، كان يمكن للحزب، في حينه، أن ينظر إلى الحرب المقبلة بالطريقة نفسها التي ينظر بها اليوم إلى التلة: ليس المطلوب الرد على كل ضربة، ولا الدفاع عن كل موقع، ولا الدخول في كل مواجهة يفرضها الخصم، بل الحفاظ على القوة الأساسية وعدم السماح للعدو بتحويل تفوقه إلى حرب شاملة تستنزفها.
المشكلة تمثلت في أنه كان ينظر إلى المسألة على أن عدم الرد ليس مجرد خسارة موقع أو مساحة، بل تهديد لمفهوم الردع نفسه. فإذا استطاعت إسرائيل أن تضرب من دون أن تدفع ثمنًا، فإنها ستستنتج أن قدرة الحزب على فرض كلفة عليها تراجعت. ومن هنا أصبح الرد، في نظر الحزب، وسيلة لحماية الردع، لا مجرد عمل انتقامي.
وهنا وقع التناقض: الردع يحتاج إلى القوة، لكن استخدام القوة على نطاق واسع قد يستنزفها ويهدد معادلة الردع. وكلما طال التصعيد، أصبح التراجع أكثر صعوبة، لأن الانسحاب لم يعد يُفهم باعتباره مناورة لحماية القدرات، بل باعتباره تراجعًا في المصداقية.
ربما كان الحزب يراهن على أن إسرائيل ستصل، عند مستوى معين من الكلفة، إلى نتيجة مفادها أن الحرب لا تستحق الاستمرار. لكن هذا الرهان يفترض أن الطرف الآخر يريد تجنب الحرب الطويلة بالقدر نفسه.
اللافت أن الحزب ولبنان بكامله دفعا ثمن التقديرات الخاطئة. فالهدف كان منع إسرائيل من فرض واقع أمني جديد في الجنوب، لكنه انتهى إلى واقع أصبحت فيه إسرائيل تملك مساحة شبه مطلقة من حرية الحركة والقصف والتدمير والسيطرة.
هل كان عدم الدخول في الحرب سيؤدي حتمًا إلى نتيجة أفضل؟ لا يمكن الجزم بذلك. لكن عدم الانخراط فيها على نطاق واسع كان سيبقي للحزب، على الأقل، قوة أكبر ومجالًا أوسع للمناورة، ويجعل إسرائيل مضطرة إلى تحمّل مسؤولية التصعيد، بدلًا من أن تحصل على بيئة الحرب التي تسمح لها باستخدام تفوقها بأقصى مدى، وتحمل تبعات مقاومة الاحتلال وشرعيتها.
وهنا تصبح علي الطاهر درسًا بأثر رجعي أكثر منها نموذجًا عسكريًا. اكتشف حزب الله، متأخرًا، أن القدرة على عدم خوض المعركة أحيانًا هي جزء من القوة، وليست علامة على ضعفها.
فلماذا احتاج الحزب إلى حرب بهذه الكلفة كي يصل إلى منطق كان يمكن، نظريًا، أن يتبنّاه منذ اليوم الأول؟
























































